العدالة بين الحق الطبيعي و القانون الوضعي

هل العدالة مرتبطة بالحق الطبيعي أم القانون الوضعي؟

تعد العدالة و المساواة و الاعتدال قيما تستوحى من الطبيعة، لكنها مع ذلك تظل خيالية من المعنى ما لم يتم إخراجها من حالة الطبيعة. لأنّ حياة الإنسان العادلة لا تستقيم إلاّ بالإبتعاد عن هذه الحالة، خصوصا إذا ما أخذنا بعين الإعتبار طبيعة الإنسان الميالة إلى الشر و الإفراط في القوة، و هو شر لا يمكن تجاوزه إلا بسلطان قاهر داخل الدولة.

العدالة لا تتأسس على حق الطبيعة الذي يقوم على الحرية المطلقة، التي تكلف لكل إنسان الحق في استعمال قدراته الخاصة كما يشاء، من أجل الحفاظ على طبيعته و حياته الخاصة، لأنه لا يمكن للعدالة أن تتأسس على حق طبيعي يميل إلى الحريةالذاتية اللامتناهية في التصرف، و توظيف كل الوسائل الممكنة للتمتع بالحياة و المحافظة على الذات، خصوصا و أنّ هذا الحق يسمح لكل فرد أن يدخل في حرب مفتوحة، ضد الكل صيانة لنفسه، غير أنه كما كان لا وجود لما يمنعه من استخدام كل ما يستعين به للحفاظ على حياته ضد الأعداء، فإنّ النتيجة المترتبة عن ذلك تمنح لكل إنسان الحق على كل شئ، و هو حق إذا ما استمر على حاله فلن يكفل أحد لنفسه مهما بلغ من القوة و الحكمة، آن يحيا المدة التي تسمح بها الطبيعة للبشر عادة، و توجد في الطبيعة قوانين و مبادئ اكتشفها العقل، تمنع الناس من الاستسلام للقوة و الظلم، و تحرم عليهم فعل كل ما من شأنه أن يؤدي إلى تدمير حياتهم، أو ينزع عنهم الوسيلة إلى رعايتها.
بناءاً على هذا الأساس تعد العدالة و المساواة و الاعتدال قيما تستوحى من الطبيعة، لكنها مع ذلك تظل خيالية من المعنى ما لم يتم إخراجها من حالة الطبيعة. لأنّ حياة الإنسان العادلة لا تستقيم إلاّ بالإبتعاد عن هذه الحالة، خصوصا إذا ما أخذنا بعين الإعتبار طبيعة الإنسان الميالة إلى الشر و الإفراط في القوة، و هو شر لا يمكن تجاوزه إلا بسلطان قاهر داخل الدولة.

إقرأ أيضا :

العدالة نتيجة لتعاقد اجتماعي الأصل فيه الإتفاق بين الناس

لا يمكن تأسيس العدالة و لا الحق على القوة، لأن لا وجود لحق الأقوى و لا معنى للطاعة إذا كانت قائمة على الإكراه، فإذا كان الإنسان قد عرف في حياته و لو على سبيل الإفتراض حالتين :

  • حالة الطبيعة : عاشها الإنسان حسب ما كانت تمليه عليه خصائصه الطبيعية، حيث كانت الغريزة هي المحرك الأساسي لكل سلوكاته، و كان ينعث بالحيوان الغبي و الجاهل و الأناني المتفرد و المستعبد من طرف شهواته، و بحكم الإختلالات التي عرفتها الطبيعة آل به الأمر إلى تشكيل اجتماعات للتعاون المؤقت أو المستمر، ظهرت معها قيم : التفاوت و الظلم و الحسد و الكبرياء، و التي أفسدت طبيعة الإنسان الخيرة… لكن ما دام من غير الممكن استعادة الحالة الطبيعية،فإن الناس اتجهوا إلى
  • حالة التعاقد و الاتفاق : من أجل تجاوز حالة التفاوت و الظلم و الأنانية… فالتعاقد قد أدخل الإنسان حالة المحتمع و التمدن و احتكم إلى سلطة العقل و القانون، و أصبحت له ثقافة و قيم وواجبات و حقوق و عدالة، و أصبحت بالتالي حياته آمنة و مصالحه و ممتلكاته محفوظة. نستنتج أن الأساس الشرعي للحق و العدالة يوجد في التعاقد بين أفراد المجتمع.
2٬037 مشاهدة
شارك المقالة
الصورة الافتراضية
مبارك أحداد
مذكرة موقع يهتم بنشر الثقافة في مختلف المجالات. هنا تجدون مقالات عربية من تعبيري الخاص باسلوب سلس وواضح. موقع مذكرة دائما متجدد ويتميز بمواضيعه الحصرية والهادفة لتفادي المواضيع المتاحة المتكررة. هدفنا هو نشر المحتوى العربي والرقي به. نرجو من الله العلي القدير أن يوفقنا للعمل بجدية وأن نحضى بدعم وثقة القراء.
المقالات: 254

اترك ردّاً

معذرة لا يمكنك النسخ، لكن يمكنك طباعة النص بأكمله بواسطة الضغط على: (CTRL + P)